السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. زوج يريد من زوجته أن تزيل اللولب لأنه يريد الإنجاب، لكن الزوجة ترفض ذلك؛ لأن طفلها الأول عمره سنة، وهي تقول إنها غير مستعدة لإنجاب طفل آخر، لما تشعر به من تعب نفسي وجسدي بسبب الولادة الأولى، ولا تزال في الثامنة عشرة من عمرها. فهل يجوز لها أن ترفض إزالة اللولب وتأجيل الحمل في هذه الحالة؟ علمًا أن الزوج يهددها بالطلاق إذا لم تُزل اللولب. فما الحكم الشرعي في ذلك؟ جزاكم الله خيرًا.
فتوى رقم 4026 — عبدالله إسماعيل — 27 أغسطس 2026
السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
زوج يريد من زوجته أن تزيل اللولب لأنه يريد الإنجاب، لكن الزوجة ترفض ذلك؛ لأن طفلها الأول عمره سنة، وهي تقول إنها غير مستعدة لإنجاب طفل آخر، لما تشعر به من تعب نفسي وجسدي بسبب الولادة الأولى، ولا تزال في الثامنة عشرة من عمرها.
فهل يجوز لها أن ترفض إزالة اللولب وتأجيل الحمل في هذه الحالة؟
علمًا أن الزوج يهددها بالطلاق إذا لم تُزل اللولب.
فما الحكم الشرعي في ذلك؟
جزاكم الله خيرًا.
الجواب
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:
الأصول التي تُبنى عليها المسألة:
1. أن الأصل في الإنجاب أنه من مقاصد الزواج، ولا يجوز إلغاء القدرة على الإنجاب إلغاءً دائمًا إلا لضرورة معتبرة.
2. أن المباعدة المؤقتة بين الأحمال جائزة عند الحاجة المعتبرة شرعًا، كالمحافظة على صحة الأم، أو دفع ضرر الحمل المتقارب، أو تمكينها من رعاية الطفل الموجود؛ قياسًا على جواز العزل.
3. أن تنظيم الحمل المؤقت يختلف عن منع الإنجاب نهائيًّا؛ فالتأجيل المؤقت لا يدخل في قتل الأولاد ولا في تحريم قطع النسل ما دام الحمل لم يحدث، والوسيلة مباحة ولا تضر بالمرأة.
4. أن تنظيم الحمل من الحقوق المشتركة بين الزوجين؛ فلا يستقل أحدهما به استقلالًا مطلقًا إذا كان الأمر مؤثرًا في حق الآخر، بل الأصل أن يكون بالتشاور والتراضي. وقد نص مجمع الفقه الإسلامي على أن التحكم المؤقت في الإنجاب يكون عند حاجة معتبرة وبحسب تقدير الزوجين وتشاورِهما وتراضيهما.
تطبيق الواقعة على هذه الأصول:
المرأة عمرها ثمانية عشر عامًا، وطفلها الأول عمره سنة، وهي تشعر بتعب نفسي وجسدي من الحمل والولادة السابقة، ولا ترى نفسها مستعدة لحمل جديد في الوقت الحاضر.
فهذه حاجة معتبرة في أصلها إذا كان التعب حقيقيًّا، ويُخشى معه الضرر من الحمل المتقارب، ولذلك يجوز لها أن تطلب المباعدة المؤقتة بين الأحمال، ولا تكون بذلك آثمة ولا مرتكبة لتحريم منع النسل؛ لأن المقصود ليس إلغاء الإنجاب، وإنما تأخيره مدة معينة.
لكن في المقابل، لا ينبغي للزوجة أن تستقل بإبقاء اللولب مع رفض الزوج مطلقًا؛ لأن الإنجاب حق مشترك بين الزوجين، والأصل أن يتفقا على تنظيمه.
فإن كان الزوج يريد ولدًا الآن، وكانت الزوجة لا تستند إلا إلى عدم الرغبة أو مجرد الخوف المعتاد من الحمل، فالأصل أن يتشاورا ويتوافقا، ولا يصح أن تجعل الزوجة منع الحمل قرارًا فرديًا دائمًا.
أما إذا كان لديها ضرر صحي أو نفسي معتبر، أو يغلب على الظن أن الحمل المتقارب سيؤدي إلى ضرر حقيقي، فهذه حاجة أقوى، وينبغي للزوج مراعاتها وعدم إلزامها بما يضرها؛ لقوله تعالى: *"لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ"*.
وأما تهديد الزوج بالطلاق فلا يغيّر الحكم الشرعي؛ فالطلاق ليس وسيلة لإجبار الزوجة على ما فيه ضرر، ولا ينبغي استعماله للتهديد والضغط في مثل هذه المسائل.
الخلاصة:
يجوز للزوجة تأجيل الحمل مؤقتًا وإبقاء اللولب إذا كانت هناك حاجة معتبرة، كالتعب النفسي والجسدي الحقيقي أو خشية الضرر من تقارب الحمل، بشرط أن يكون اللولب وسيلة مأمونة ولا يسبب لها ضررًا.
لكن تنظيم الحمل حق مشترك، والأصل أن يكون باتفاق الزوجين وتشاورِهما، وليس لأحدهما أن ينفرد به دون مراعاة حق الآخر.
وعليه: لا تُلزم الزوجة بإزالة اللولب لمجرد رغبة الزوج إذا كان في الحمل المتقارب ضرر معتبر عليها، كما لا يصح لها أن تمنع الإنجاب منعًا دائمًا دون ضرورة. والواجب عليهما التوافق على مدة مناسبة للمباعدة، مع الاستعانة بطبيب موثوق إذا كان تحديد المدة الأنسب متعلقًا بحالتها الصحية.
والله أعلم.