السلام عليكم ورحمة الله وبركاته السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، شيخنا الحبيب. والدي قتل شخصين أخوين بعد أن حصل خلاف ومضاربة بينهم، ثم قام أهل المجني عليهما وأشخاص آخرون بقتل والدي. فهل قتل والدي بعد ذلك يُكفِّر عنه ما فعله ويطهِّره من إثم القتل، أم تبقى عليه تبعات أو كفارة؟ وهل يجب عليه صيام كفارة عن القتل؟ وإذا كانت الكفارة واجبة، فأنا مستعد أن أصوم عنه. أفتونا، حفظكم الله.
فتوى رقم 4077 — إسماعيل السلفي — 7 سبتمبر 2026
السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، شيخنا الحبيب.
والدي قتل شخصين أخوين بعد أن حصل خلاف ومضاربة بينهم، ثم قام أهل المجني عليهما وأشخاص آخرون بقتل والدي.
فهل قتل والدي بعد ذلك يُكفِّر عنه ما فعله ويطهِّره من إثم القتل، أم تبقى عليه تبعات أو كفارة؟
وهل يجب عليه صيام كفارة عن القتل؟ وإذا كانت الكفارة واجبة، فأنا مستعد أن أصوم عنه.
أفتونا، حفظكم الله.
الجواب
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
رحم الله والدكم، ورحم المقتولين، وغفر لهم، وحكم بينهم يوم القيامة بعدله ورحمته.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أمَّا بعد:
فالحكم الآتي مبنيٌّ على أن قتل الوالد للرجلين كان قتلًا عمدًا عدوانًا بغير حق. أما إذا كان القتل دفاعًا مشروعًا عن النفس، أو كان خطأً أو شبه عمد، فلكل صورة حكمها.
والقتل العمد بغير حق من أعظم الكبائر؛ قال الله تعالى: «وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا» [النساء: 93]. ومع ذلك فباب التوبة مفتوح، وقد قال تعالى في القتل وغيره من الكبائر: «إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَٰئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ» [الفرقان: 70].
وأما كون والدكم قد قُتل بعد ذلك، فإن كان قتله قصاصًا شرعيًّا مستوفيًا لشروطه، فإن العقوبة الدنيوية يُرجى أن تكون كفَّارةً له؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من أصاب من ذلك شيئًا فعوقب في الدنيا فهو كفَّارة له» [صحيح البخاري (18)، صحيح مسلم (1709)]. وقد جاء في رواية مسلم ذكر قتل النفس المحرَّمة ضمن الذنوب المذكورة في الحديث.
لكن لا نجزم بسبب ذلك بأن جميع ما بينه وبين المقتولين في الآخرة قد سقط قطعًا؛ فإن للمقتول حقًّا، وأمر العباد يوم القيامة إلى عدل الله تعالى، وقد اختلف أهل العلم في مدى سقوط حق المقتول في الآخرة بإقامة القصاص في الدنيا.
أما إذا كان أهل المقتولين وأشخاص آخرون قد قتلوا والدكم انتقامًا من تلقاء أنفسهم من غير استيفاءٍ معتبر للقصاص، فلا يصح الجزم بأن هذا القتل كان قصاصًا شرعيًّا مكفِّرًا لجنايته؛ ومجرد مقابلة القتل بالقتل لا تجعل الفعل قصاصًا شرعيًّا من غير تحقق شروطه.
ولأن والدكم قتل شخصين، فإن الحقوق الدنيوية المتعلقة بالمقتولين وأوليائهما تتوقف أيضًا على كيفية استيفاء القصاص أو العفو أو الصلح، ولا يمكن الجزم بتفاصيلها من المعلومات المذكورة وحدها.
وأما كفَّارة القتل العمد، فقد اختلف فيها الفقهاء: فالجمهور من الحنفية والمالكية والحنابلة لا يوجبون كفَّارة القتل العمد، وإن كان القتل من أعظم الذنوب ويجب منه التوبة، بينما يوجب الشافعية الكفَّارة في القتل العمد أيضًا.
وعلى مذهب الشافعية، إذا قتل الإنسان شخصين عمدًا، فعليه كفَّارتان؛ لكل نفس كفَّارة مستقلة. وكفَّارة القتل: عتق رقبة مؤمنة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين؛ قال الله تعالى في كفَّارة القتل: «فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ» [النساء: 92].
وأما أنتم فلا يجب عليكم شرعًا أن تصوموا عن والدكم؛ فلا تنتقل الكفَّارة إلى الابن على سبيل الوجوب.
فإن أردتم الصيام عنه تبرعًا، فإن ذلك يتفرع على القول الشافعي بوجوب الكفَّارة في العمد: فإن كان والدكم قد عاش بعد القتل مدةً تمكَّن فيها من أداء ما وجب عليه، ثم مات قبل أن يؤديه، فهناك قول معتبر عند الشافعية يجيز لوليه أن يصوم عنه؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من مات وعليه صيام صام عنه وليه» [صحيح البخاري (1952)، صحيح مسلم (1147)]. أما إذا مات قبل أن يتمكَّن من أداء الصيام، فلا يُلزمكم الصيام عنه.
وخلاصة الفتوى: إذا كان والدكم قتل الرجلين عمدًا بغير حق، ثم قتله أهل المقتولين انتقامًا من غير قصاص شرعي مستوفٍ لشروطه، فلا نستطيع أن نقول إن مجرد قتله قد محا عنه إثم قتل الرجلين. أما إذا أُقيم عليه القصاص الشرعي، فيُرجى أن يكون ذلك كفَّارةً للعقوبة الدنيوية، ويبقى أمره وحقوق المقتولين في الآخرة إلى عدل الله ورحمته.
وأما كفَّارة الصيام: فجمهور الفقهاء لا يوجبونها أصلًا في القتل العمد، والشافعية يوجبون كفَّارةً عن كل مقتول؛ فلو أُخذ بمذهب الشافعية فهما كفَّارتان. ولا يجب عليكم أن تصوموا عن أبيكم. فإن كان قد تمكَّن في حياته من أداء الكفَّارة ولم يفعل، فيجوز لكم على قول معتبر عند الشافعية أن تصوموا عنه تبرعًا، أما إذا مات قبل أن يتمكَّن من أدائها فلا يلزمكم صيام شيء عنه. وأكثروا له من الدعاء والاستغفار والصدقة، وأمره إلى الله تعالى.
والله أعلم.